الخطيب الشربيني

123

مغني المحتاج

فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه رواه أبو داود . وتسن التسمية عند الدفع إلى المتصدق عليه لأنها عبادة . قال العلماء : ولا يطمع المتصدق في الدعاء من المتصدق عليه لئلا ينقص أجر الصدقة ، فإن دعا له استحب أن يرد عليه مثلها لتسلم له صدقته . ويسن التصدق عقب كل معصية ، قاله الجرجاني ، ومنه التصدق بدينار أو نصفه في وطئ الحائض . ويسن لمن لبس ثوبا جديدا أن يتصدق بالقديم ، ففي الحديث : من لبس ثوبا جديدا ثم عمد إلى ثوبه الذي كان عليه فتصدق به لم يزل في حفظ الله حيا وميتا ، وليس هذا من التصدق بالردئ بل مما يحب ، وهذا كما جرت به العادة من التصدق بالفلوس دون الذهب والفضة ، وهل قبول الزكاة للمحتاج أفضل من قبول صدقة التطوع أو لا ؟ وجهان ، رجح الأول جماعة منهم ابن المقري لأنه أعانه على واجب ولان الزكاة لا منة فيها ، ورجح الثاني آخرون منهم الجنيد والخواص لئلا يضيق على الأصناف ولئلا يخل بشرط من شروط الاخذ ، ولم يرجح في الروضة واحدا منهما . ثم قال عقب ذلك : قال الغزالي : والصواب أنه يختلف بالاشخاص ، فإن عرض له شبهة في استحقاقه لم يأخذ الزكاة وإن قطع به ، فإن كان المتصدق إن لم يأخذ هذا منه لا يتصدق فليأخذها ، فإن أخراج الزكاة لا بد منه ، وإن كان لا بد من إخراجها ولم يضيق بالزكاة تخير ، وأخذها أشد في كسر النفس اه‍ . أي فهو حينئذ أفضل ، وهذا هو الظاهر . وأخذ الصدقة في الملا وتركه في الخلوة أفضل لما في ذلك من كسر النفس . ويسن للراغب في الخير أن لا يخلو يوما من الأيام من الصدقة بشئ وإن قل لخبر البخاري : ما من يوم يصبح العباد إلا وملكان يقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا ولخبر الحاكم في صحيحه : كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس ، أو قال : حتى يحكم بين الناس . كتاب النكاح هو لغة : الضم والجمع ، ومنه تناكحت الأشجار : إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض . وشرعا : عقد يتضمن إباحة وطئ بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمة . والعرب تستعمله بمعنى العقد والوطئ جميعا ، لكنهم إذا قالوا : نكح فلان فلانة أو بنت فلان أو أخته أرادوا تزوجها وعقد عليها ، وإذا قالوا : نكح زوجته أو امرأته لم يريدوا إلا المجامعة . قال الثعلبي : وقال ابن القطان : له ألف اسم ، وقال علي بن جعفر اللغوي : له ألف وأربعون اسما . وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى ، وسيأتي ما يدل لذلك . ولأصحابنا في موضوعه الشرعي ثلاثة أوجه : أصحها أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطئ كما جاء به في القرآن والاخبار ، ولا يرد على ذلك قوله تعالى : * ( حتى تنكح زوجا غيره ) * لأن المراد العقد ، والوطئ مستفاد من خبر الصحيحين : حتى تذوقي عسيلته . والثاني : أنه حقيقة في الوطئ مجاز في العقد ، وبه قال أبو حنيفة وهو أقرب إلى اللغة ، والأول أقرب إلى الشرع . قال الزمخشري ، وهو من علماء الحنفية : لم يرد النكاح في القرآن إلا بمعنى العقد لأن كونه بمعنى الوطئ من باب التصريح ، ومن أراد به الكناية عنه أتى بلفظ الملامسة أو المماسة . وأورد عليه قوله تعالى : * ( الزاني لا ينكح إلا زانية ) * فالمراد به الوطئ كما قاله في الكفاية في باب الرجعة . وقال الراغب : يستحيل أن يكون النكاح حقيقة في الجماع ويكنى به عن العقد ، لأن الجماع يستقبح من ذكره كما يستقبح من فعله ، والعقد لا يستقبح أي فلا يكنى بالأقبح عن غيرة ، ولأنه يصح نفيه عن الوطئ إذ يقال في الزنا سفاح لا نكاح . ويقال في السرية ليست مزوجة ولا منكوحة . وصحة النفي دليل المجاز والثالث حقيقة فيهما بالاشتراك كالعين ، وحمل على هذا النهي في قوله تعالى : * ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) * عن العقد وعن الوطئ بملك اليمين معا على استعمال المشترك في معنييه . وفائدة الخلاف بيننا وبين الحنفية تظهر فيمن زنى بامرأة ، فإنها تحرم على والده وولده عندهم لا عندنا ، قاله الماوردي والروياني . وفيما لو علق الطلاق على النكاح فإنه يحمل على العقد عندنا لا الوطئ إلا إن نوى ، حكاه الرافعي في آخر الطلاق عن